|
الجيوش الالكترونية

الجيوش الالكترونية: إسكات الأصوات المعارضة وتهديد للسرديات البديلة

تم الاستثمار بالـ"جيوش الالكترونية" من قبل القوى الأساسية الحاكمة  لنشر السرديات التي تخدم مصالحها ولإسكات وتهديد الأصوات المعارضة، فكيف تعمل هذه الجيوش الالكترونية، وما هي تأثيراتها على الصحافيين وعلى صحّة المعلومات، وهل من فرصة لفرض السرديات البديلة بعيدا عن تلك التي تفرضها الأنظمة السياسية لخدمة مصالحها؟

مصطلح الجيوش الالكترونية يشرحه الخبير القانوني في مؤسسة "مهارات" الدكتور طوني مخايل على انه استخدام التكنولوجيا الرقمية والهجمات السيبرانية اما من قبل الدول لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية، واما قد تنشأ جيوش الكترونية تتبع لجهات فاعلة في الأنظمة السياسية تسعى إلى تنفيذ اجندات غير معلنة، وتشكل أداة قوية يمكن استخدامها في تشويه الحقائق والتلاعب في المعلومات، عبر نشر أخبار كاذبة ومضللة وتشويه صورة معينة أو توجيه الرأي العام باتجاه معين، ويتم استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لنشر هذه الأخبار والتأثير على النقاش العام".

الجيوش الالكترونية: حسابات وهمية تخدم مصالح القوى الحاكمة

لفهم طبيعة هذه الجيوش وطبيعة انتشارها، يشير مخايل إلى أنّ "عمل الجيوش الالكترونية يتم عبر استخدام حسابات وهمية او شبكة من الحسابات الوهمية التي يصعب التعرف عليها بأنها "حسابات مخادعة" وهي تعمل بشكل منسق غير مركزي مما يجعل عملية تعقبها معقدة. ويمكن ان تستغل هذه الجيوش النقاش الدائر على وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير فيه وتوجيهه لخدمة أهداف محددة".

وغالبا ما تتبع هذه الحسابات في العالم العربي لقوى أساسية من السلطة السياسية، إذ يقول الصحافي العراقي محمد المؤمن لـ"مهارات ماغازين"، إنّ "الحكومة ليست الأكثر سطوة على الجيوش الالكترونية، فالجهة الأكثر قوة هي الأحزاب، وهذه الأحزاب تملك أذرع إعلامية وإلكترونية وتحاول دائما فرض سرديات ووجهات نظر وأحيانا أبعد من ذلك إلى التهديد وتشويه السمعة".

يضيف المؤمن في هذا السياق أنّ " مسألة الجيوش الإلكترونية في العراق تكون موسميّة، إذ يتم استخدامها في فترات معيّنة خصوصا في فترات الانتخابات، إذ تبدأ القوى السياسية بتجنيد هذه الجيوش للتحريض الطائفي وبث العنصرية ونشر الأخبار الكاذبة".

تعتبر فترات الانتخابات إحدى الفترات الأساسية في الحياة السياسية وتشهد الكثير من حملات التشويه والتهديد لشخصيات معيّنة، مثال على ذلك الحملة التي شنّت على النائبة في البرلمان اللبناني حليمة قعقور بعد أشهر من انتهاء الانتخابات النيابية في أيار 2022 والتي حمّلت مسؤوليتها للجيوش الالكترونية في فيديو انتشر لها على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد أتت هذه الحملة على إثر اعتراض قعقور في إحدى جلسات المجلس النيابي على طريقة إدارة الجلسة، ليردّ عليها بري قائلا "اقعدي وانطري للآخر واسكتي"، فردّت عليه قعقور رافضة "الأسلوب البطريركي" في إدارة الجلسة. وقد تحوّل استخدام عبارة "بطريركي" من قبل النائبة قعقور لوصف تصرف الرئيس بري الفوقي والسلطوي  إلى حملة عليها على وسائل التواصل الاجتماعي بأنها تهين الكرسي البطريركي. وقد تعرّضت قعقور لحملة كراهية تضمنّت استعمال عبارات مثل "النتانة - الإلحاد - داعشية…".

يختلف سياق تبعيّة الجيوش الالكترونية من دولة إلى أخرى، وتتشارك هذه الجيوش نفس الأهداف بالتحريض والتهديد وتضليل الرأي العام،  ففي تونس مثلا، تشير الصحافية حنان زبيس في مقابلة لـ"مهارات ماغازين" إلى أنّ ثمّة خصوصيّة في تونس لملف الجيوش الالكترونية، وهي أنّ أحد الأسباب الرئيسية لوصول الرئيس الحالي للسلطة هي الجيوش الالكترونية عبر الترويج له".

وتضيف زبيس أنّ "بعد وصول الرئيس إلى السلطة، نشطت هذه الجيوش بشكل كبير ضد معارضيه، وانتظمت حملات ضد كل الناشطين السياسيين والصحافيين وأي صوت معارض للسلطة، عبر التشهير والتحريض وخطاب الكراهية".

وقد ذكر موقع "نون بوست" التونسي، أنّ  حسابات افتراضية من الداخل التونسي تقودها جيوش إلكترونية تعملُ لصالح الرئيس التونسي قيس سعيّد للترويج له منذ بداية حملته الرئاسية وصولًا إلى الانقلاب لإفشال مسار الانتقال الديمقراطي التونسي.

ومنذ الحملة الانتخابية لسعيّد، ظهرت الحسابات والوسوم التي تدعمه مستغلّةً شعار الثورة “الشعب يريد” الذي تمّ احتكاره في شخص سعيّد، ثم ظهرت وسوم ومشاركات لمباركته رئيسًا لتونس.

تستمرّ هذه الجيوش بالتحرّك بشكل سريع ضدّ أي خطاب فيه انتقاد لعمل السلطة والرئيس التونسي، ولا يقتصر اثره على العنف الالكتروني بل يتطوّر ليصبح تهديدا جسديا يعرّض حياة الناشط أو الصحافي للخطر، على حد قول الصحافية التونسية حنان زبيس.

ولا يقتصر عمل الجيوش الالكترونية فقط على الصعيد الداخلي لدولة معيّنة، بل من الممكن أن تتخطّى هذه الجيوش الحدود لزرع الفتنة في دولة أخرى خدمة لمصالحها، فقد كشف تحقيق أجرته "ايكاد" عن "لجان إسرائيلية تدّعي الهوية الأردنية لتخدم مصالح الاحتلال"، وعن عدد حسابات هذه اللجان الذي فاق الـ7 آلاف، وقد توصّل التحقيق إلى العديد من النتائج التي تخلص إلى أنّ هذه اللجان هدفت إلى إثارة الفتنة ضد الفلسطينيين، بالإضافة إلى اعتمادها على آليات الذكاء الاصطناعي في كتابة محتواها المؤجج للفتنة في الأردن ضد مناصري غزة.

التنمّر والتجسّس الالكتروني: جزء من عمل الجيوش الالكترونية

يعرّف التنمّر الالكتروني على أنّه "تنمر باستخدام التقنيات الرقمية، ويمكن أن يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المراسلة ومنصات الألعاب والهواتف المحمولة، وهو سلوك متكرر يهدف إلى إخافة أو استفزاز المستهدفين به أو تشويه سمعتهم، كنشر الأكاذيب عن شخص معيّن وإرسال رسائل تهديدات مؤذية".

ويقول الخبير القانون طوني مخايل، "أنّه وفي السياق اللبناني مثلا، تشنّ الجيوش الالكترونية حملات تنمّر الكتروني في الفترات الانتخابية بهدف تشويه سمعة بعض المرشحين والمرشحات وتضليل الرأي العام".

وفي تقرير لمؤسسة مهارات، تعرّض النواب التغييريون في لبنان إلى حملات تنمّر الكتروني بعد فوزهم بالانتخابات النيابية، إذ تمّ اتهامهم بأنّهم غير صادقين ومخادعين ويستغلون الثورة والشعارات التي أطلقوها. 

وعادة ما تقوم هذه الجيوش الالكترونية بتنسيق هجماتها التي تتضمّن تنمرا الكترونيا، عبر  ثلاث مراحل: أولا التضليل، إذ يتم إغراق المضمون الصحفي بأخبار كاذبة تخدم الجهة التي يروجون لها، من ثمّ التضخيم عبر نشر هذه الأخبار الكاذبة بشكل كبير عبر برامج الكترونية تنشر المضمون اوتوماتيكيا، وأخيرا التهديد عبر استهداف الصحافيين بشكل شخصي وتهديدهم بالقتل وتشويه سمعتهم.

يوضح الخبير القانوني في مؤسسة مهارات طوني مخايل أنّ "إحدى أساليب تهديد ومضايقة الناشطين والصحافيين من قبل الجيوش الالكترونية هي عبر الاختراق السيبراني لأنظمتها واستهداف بياناتهم الشخصية والتجسس عليهم. ويتم استخدام التهديدات والابتزاز الإلكتروني لترهيب الناشطين ومنعهم من التعبير عن آرائهم ونشر المعلومات".

السرديات الإعلامية المغايرة: مواجهة رغم فرق القدرات

بالنظر إلى ما سبق، يعاني أصحاب السرديات المختلفة عن تلك التي تخدم القوى السياسية والسلطات، من خطر "الجيوش الالكترونية"، فهي أولا تهدّد وتشهّر كل من يعارض أو ينتقد أو يعبّر عن رأيه، وثانيا تقوم بحرف الرأي العام وتضليله عن المعلومات الصحيحة الأمر الذي يهدّد سلامة المعلومات. 

ففي تونس، تقول زبيس أنّه " يتم استعمال المرسوم 54 والذّي من المفترض أن يحارب الأخبار الكاذبة لمعاقبة الناشطين السياسيين والصحافيين في السجن، في حين أن هذه الجيوش الالكترونية التي تنشر الأخبار الكاذبة وتبثّ خطاب الكراهية لا يتمّ محاكمتهم".

وتضيف أنّ "كل هذه المخاطر، تصعّب عملية فرض سردية مختلفة، فالأصوات الحرّة بدأت تخفت، ولكن لا زالت بعض الأصوات تحاول اعطاء نظرة موضوعية للواقع وانتقاد أداء السلطة وبث خطاب معاد لخطاب الكراهية الذي تبثه الجيوش الالكترونية".

تساهم الجيوش الالكترونية بتشويه السردية والمعلومة الصحيحة الأمر الذي يؤدّي إلى تضليل الجمهور والرأي العام، بالإضافة إلى أنّ مواجهة هذا الأمر صعب بالنظر إلى القدرات الكبيرة للأنظمة والقوى التي تتحكم بهذه الجيوش، على حد تعبير الصحافي المصري أحمد عابدين.

لا شكّ أن امتلاك الأنظمة السياسية للجيوش الالكترونية التي عملت على تهديد وتشويه سمعة الصحافيين وتضليل الرأي العام عبر نشر الأخبار الكاذبة، يعطي فكرة عن فرق الإمكانيات على جميع الأصعدة بين القوى السياسية والصحافيين وأصحاب الرأي المختلف، والتي تلعب دورا أساسيا في عدم القدرة على تغيير السردية بشكل كامل.

هنا يشير الصحافي العراقي محمد المؤمن أن الرهان دائما هو الاستثمار بوعي الجمهور وزيادة ضخّ المعلومات الصحيحة وتعزيز الفكر النقدي والتربية الإعلامية والمعلوماتية عبر تدريبات وندوات، بالإضافة إلى تدريب الجيل الجديد من مستخدمي وسائل التواصل على كيفية استعمال الوسائل الرقمية بشكل آمن، خصوصا مع انحياز الخوارزميات إلى من يملك قدرات مادية إعلى.

تملك المعلومات الصحيحة قوّة الأدلة والبراهين، فهي على حد تعبير الصحافي المصري أحمد عابدين "قويّة الأدلّة عكس الأخبار المغلوطة التي تبنى على حجج لا أساس لها، ومن هذه القاعدة يجب تكثيف العمل لدحض التضليل والإضاءة على وسائل الإعلام والجيوش الإلكترونية التي تبث المعلومات الخاطئة". 

وتبقى الحماية الرقمية للصحافيين والناشطين اولوية بحسب الخبير القانوني طوني مخايل الذي اوضح ان "الحماية الرقمية مسؤولية مشتركة للدولة والمؤسسات الاعلامية والاجهزة التي تعنى بالامن السيبراني بشكل عام، بالإضافة إلى ضرورة تطبيق قوانين الإعلام التي تضمن حماية استقلالية الصحافي ومصادره ومكان عمله والاجهزة الالكترونية التي يستخدمها في اداء واجبه المهني من التفتيش والتنصت والاختراق الالكتروني".

تسعى اذا الأنظمة والسلطات السياسية دائما لحماية مصالحها وإسكات كل الأصوات المعارضة لها، وقد ساهمت الجيوش الالكترونية بتكريس هذه الفكرة بعد دخولها كأداة جديدة بيد الأنظمة الحاكمة، ورغم ذلك لا بدّ من المواجهة لفرض السرديات البديلة ولتعزيز مبدأ الحريات بالإضافة إلى الضغط باتجاه تطبيق القوانين التي تحمي الصحافيين والناشطين وكل أصحاب الرأي الآخر.