|
التنظيم الذاتي في لبنان

التنظيم الذاتي في لبنان: فتّش عن التبعية السياسية والطائفية

نظرياً يتمتع لبنان بتجربة فريدة من نوعها فيما يتعلق بحرية التعبير والصحافة مقارنة بالدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع مشهد إعلامي متنوّع ومتخصّص. لكن هذه الحريات تتقلص يوماً بعد يوم بسبب تزايد الترهيب والرقابة الذاتية، التي تنبع من معادلات طائفية وحزبية.

نظرياً يتمتع لبنان بتجربة فريدة من نوعها فيما يتعلق بحرية التعبير والصحافة مقارنة بالدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع مشهد إعلامي متنوّع ومتخصّص. لكن هذه الحريات تتقلص يوماً بعد يوم بسبب تزايد الترهيب والرقابة الذاتية، التي تنبع من معادلات طائفية وحزبية.

حاولت الدولة اللبنانية بعد انتهاء الحرب الاهلية إضفاء الطابع المؤسساتي على الهياكل القانونية والتنظيمية لوسائل الإعلام اللبنانية، لا سيما ان المشهد الاعلامي شابه الكثير من الفوضى خلال حقبة الحرب اللبنانية. حيث، كانت وسائل الاعلام المرئية والمسموعة سلاحاً إضافياً في الترسانات الطائفية.

لكن بعد 26 عاماً على مأسسة القطاع، بدا واضحاً غياب التنظيم الذاتي عن المشهد الاعلامي في لبنان، لا سيّما ان هناك تراجعاً في احترام مبادئ الأخلاق المهنيّة، وظهور أزمة تمويل، اضافة الى الاستمرار في انتهاك حقوق العاملين في المهنة وغياب النقابات الفاعلة، فضلاً عن عدم تفعيل لعمل المجلس الوطني للإعلام وتقيّده بالمحسوبيات الطائفية والسياسية.

امام هذا الواقع يصر كثيرون من أهل المهنة على ان الحل يكمن في وجود هيئة اشراف مستقلة تتولى مهمة تحسين هذا الدور المجتمعي للإعلام، وحثّه على احترام المبادئ الإنسانية والأخلاقيات المهنيّة والمسؤولية الاجتماعية الملقاة على عاتقه، والالتزام بالقوانين المرعية الاجراء، والدفع باتجاه إعتماد المؤسسات الاعلامية لآليات التنظيم الذاتي.

فكرة التنظيم الذاتي

ترجع اولى محاولات التنظيم الذاتي التي لم يتم تطبيقها الى  قانون المطبوعات الصادر في 1962 في فصله الرابع وضمن المادة 95، الذي اشار الى تشكيل "مجلس أعلى للصحافة" مكلّف بصياغة اللوائح الداخلية لإتحاد الصحافة اللبناني (يتشكل من نقابتي الصحافة والمحررين)، ويمكنه التعامل مع "جميع المشاكل ذات الاهتمام المشترك للصحافة والصحافيين بشكل عام". ويتشكل المجلس من مسؤولين تنفيذيين من النقابتين الرئيسيتين (الصحافة والمحررين)، عبر عضو منتخب من كل نقابة وممثلين عن وزارة الإعلام.

لكن ما يلغي فكرة التنظيم الذاتي في هذه المحاولة ان فكرة انشاء مجلس الصحافة جاء عبر "قانون المطبوعات". وبالتالي، لا يتوافق تشكيل هذا المجلس مع المعايير الدولية للتنظيم الذاتي، التي تؤكد ان التنظيم الذاتي يجب ان يكون بمبادرة مستقلة وحرة منأهل المهنة والنقابات الصحافية، وليس عبر قانون او بمبادرة من السلطة.

محاولات اخرى شبيهة بمجلس الصحافة، جاءت عبر تشكيل "المجلس الوطني للاعلام". تم انشاء هذا المجلس على اثر اصدار قانون الإعلام السمعي البصري في لبنان رقم 382 في عام 1994.

يعتبر هذا القانون  وثيقة معقدة أيديولوجياً تسعى إلى إنشاء نموذج ليبرالي لتنظيم البث المرئي والمسموع لكنها مأسورة من قبل المصالح السياسية والطائفية. جاء هذا القانون لينظم المشهد الاعلامي المرئي والمسموع، لإنهاء حالة الفوضى التي شهدتها فترة الحرب الأهلية، لكنه اعطى امتيازات الى الاحزاب السياسية المشاركة في الحرب لإنشاء وسائل اعلام خاصة بها، بإعتبارها حقوقاً للطوائف.

وتؤكد استاذة الاعلام في جامعة بيروت العربية ايمان عليوان لـ "مهارات ماغازين" ان بعد كل أزمة سياسية او أمنية في لبنان، تكثر الدعوات الى تنظيم ذاتي للصحافة، ووضع شرعة اخلاقية تنظم العمل الصحافي، لكن هذه الدعوات تأتي من الدولة، وهو أمر معيب بحق الصحافيين.

وتوضح عليوان ان الجهود ركزت على قانون للاعلام ليكون مواكباً للمهنة، خصوصاً بعد دخول الاعلام الالكتروني. وبالتالي، لا توجد اي محاولات مهمة للتنظيم الذاتي جاءت من ابناء المهنة سوى بعض المحاولات للمجتمع المدني.

في المقابل، تشير استاذة الاعلام في الجامعة اللبنانية وفاء أبو شقرا الى ان هناك حاجة للتنظيم الذاتي في لبنان لعدة اسباب، أبرزها: غياب كلي للسياسات الاعلامية والاتصالية، وغياب لقانون اعلام عصري يحمي الصحافيين ومصادرهم، وعدم وجود نقابات صحافية فاعلة قادرة على القيام بدورها، فضلاً عن أن هناك أهمية للتنظيم الذاتي مرتبطة بتنظيم المشهد الاعلامي وتعزيز المهنية الواعية، والتأثير الايجابي على المهنة، خصوصاً بعد حراك 17 تشرين.

اما شكل التنظيم الذاتي المناسب للبنان، بحسب أبو شقرا، فهو "مجلس صحافة" يتألف بشكل مستقل عن مبادرات السلطة السياسية، ويضم اعلاميين وأكاديميين، وباحثين في الاعلام، ومندوبين عن المؤسسات الاعلامية على ان تكون لهم صلة مباشرة بالسياسات التحريرية بشكل مباشر، وممثلين عن المجتمع المدني المتخصص في مجال الاعلام.

ويتم الوصول الى هذا المجلس، بحسب أبو شقرا، عبر حل نقابتيّ الصحافة والمحررين وتشكيل نقابة جديدة، اضافة الى فتح نقاش صحافي يشمل النقابة الجديدة، والمؤسسات الاعلامية، الصحافيين، والمجتمع المدني.

غياب النقابات المهنية

في السياق تقول أبو شقرا ان هنالك سعياً مستمراً من النظام للسيطرة على وسائل الاعلام، حتى وان كان شكل هذه السيطرة عبر النظام الطائفي والمذهبي. وتضيف أبو شقرا: "في الدول الديمقراطية عادة ما يتركز العمل النقابي على حماية الصحافيين، لكن الامر في لبنان مختلف، اذ تم اعتبار النقابات ومجالس الصحافة حصصاً للطوائف والاحزاب على قاعدة 6 و6 مكرر. حيث، يترأس نقابة الصحافة مسلم سني، ونقابة المحررين مسيحي ماروني، وتم تسليم منصب المجلس الوطني للاعلام الى مسلم شيعي، لحفظ التوازن الطائفي".

دفع هذا الواقع مجموعة من الصحافيين المستقلين الى تشكيلتجمع لنقابة بديلة بعد حراك 17 تشرين 2019، لحاجتهم لنقابة بديلة تمثلهم وتدافع عنهم في وجه كل الانتهاكات والاعتداءات بحقهم. وضمّ التجمّع صحافيين من مختلف المجالات لتشكيل قوة ضغط على السلطة وتحرير الصحافة من السيطرة الطائفية والحزبية.

تأسست نقابتيّ الصحافيين والمحررين بموجب مرسوم عام 1953 ، وانضمت النقابتين بحسب قانون المطبوعات الصادر عام 1962 لتشكيل "اتحاد الصحافة اللبنانية"، الذي زعم في وقتها أنه يمثل جميع العاملين في الإعلام اللبناني.

طال التقسيم الطائفي والمذهبي، بالعُرف، المناصب العليا في النقابتين، حيث يرأس نقابة الصحافة اللبنانية(أصحاب المؤسسات الاعلامية المطبوعة)مسلم سني.اما نقابة "محرري الصحافة اللبنانية" التي تأسست عام 1941، فيترأسها عادة مسيحي ماروني، بالرغم من أن هناك تقنياًانتخابات لإختيار مجلس النقابة والرئيس، مما أدى إلى استشراء المحسوبية والتبعية في النقابات الصحافية، لا سيما ان فتح الجدول النقابي يخضع لأهواء ومصالح المسيطرين على النقابات المهنية. وبالتالي، ليس جميع الصحافيين منضوين في نقابتي الصحافة والمحررين.

متلازمة مواثيق الشرف والأزمات

لا يظهر في تاريخ الصحافة اللبنانية ما يشير الى الاهتمام بموضوع الأخلاق الاعلامية من منظار السلوك الفردي اي تجاوزات الصحافيين الفردية واخلالهم بأخلاقيات المهنة، أو من ناحية الاهتمام بها كوسيلة اساسية من وسائل التنظيم الذاتي للصحافة.

ويزداد التركيز على وضع مدونات سلوك للصحافة دوماً عقب الازمات السياسية او الازمات المرتبطة بالسلم الاهلي والاجتماعي، ومن الامثلة على ذلك ميثاق الشرف عام 1958 وميثاق الشرف الصحافي العام 1992. كذلك، كانت هناك محاولات للمجتمع المدني للمساهمة في وضع شرعات اخلاقية تحصن السلم الأهلي، لاسيما مبادرة برنامج الامم المتحدة الانمائيUNDP  لإطلاق ميثاق الشرف الاعلامي لتعزيز السلم الاهلي في لبنان الصادر عام 2013، والذي وقعّت عليه 34 مؤسسة اعلامية مرئية ومسموعة ومكتوبة. وكانت قبلها مبادرة لمؤسسة مهارات مع مكتب اليونسكو الاقليمي في بيروت لوضع "مقترح لشرعة اعلامية في لبنان عبر اشراك مسؤولي عدد من وسائل اعلامية مرئية ومسموعة ومطبوعة والكترونية.

لذا يمكن الاستنتاج ان الهدف من مواثيق الشرف في لبنان لم يكن يوماً في اطار تطبيق مبادئ اخلاقية في ممارسة الصحافة او تنزيه المهنة، كما هو الحال في المفاهيم الغربية للمواثيق والشرعات الاعلامية.

تحديات التنظيم الذاتي

تتعدد التحديات التي تواجه التنظيم الذاتي في لبنان بحسب كل من عليوان وأبو شقرا، لكن هناك تشابه في الكثير منها، وأبرز هذه التحديات:

 - تبعية الاعلام السياسية، إذ يعتبر غير مستقل.

- ضعف الحالة الاقتصادية للمؤسسات الاعلامية وللصحافيين مما يجعلهم عرضة للإستغلال والسيطرة من قبل الاحزاب والسلطة السياسية.

- نقص كبير في التشريعات التي تعتبر متقادمة، ولا تواكب التطور في مجال الاعلام، لا سيما الاعلام الالكتروني.

- التقلص المتزايد في حرية التعبير والاعلام، مع زيادة حالات القمع وكمّ الأفواه، كما ان قانون المطبوعات لا يراعي حرية التعبير، اذ يتضمن مواد قانونية تقيّد الصحافي مثل "القدح والذم" و"المسّ بكرامة الرؤساء".

- هنالك قصور وضعف في وعي الصحافيين المرتبطة بأخلاقيات المهنة الصحافية، كما يوجد نقص في مهارات الصحافيين، واختصار وظيفة الاعلام بالوظيفة الاخبارية فقط.

- وجود نقابات مهنية غير فعّالة، ولا تقدم اي حماية او تدريب للصحافيين.

- وجود سياسات واجندات تحرير متناقضة بين وسائل الاعلام اللبنانية، تجعل التوافق بين بعض المؤسسات مهمة شبه مستحيلة.

محاولات المجتمع المدني

شهدت الفترات الماضية محاولات عدة من المجتمع المدني لدفع الجسم الاعلامي اللبناني على وضع خارطة طريق للوصول الى تنظيم ذاتي لمهنة الصحافة. وآخر تلك المحاولات كانت عبر جلسة نقاش مغلقة نظمتها مؤسسة "مهارات" و"برنامج الامم المتحدة الانمائي UNDP" في مارس/آذار 2017، شارك فيها إعلاميون وأكاديميون ناقشوا الواقع المهني للإعلام في لبنان، وتمّ وضع تصور أوّلي لورقة عمل او خارطة طريق يمكن ان تساعد في تطوير النظم والأطر المهنية المعتمدة لتنظيم الإعلام، وذلك بمشاركة خبراء دوليين ساهموا في نقل المقاربات الاحدث لموضوع تنظيم الاعلام حول العالم والتي تتلاءم مع السياق اللبناني.

ورُفعت ورقة العمل هذه إلى المعنيين بتنمية وتطوير قطاع الإعلام لا سيّما وزير الإعلام الاسبق ملحم الرياشي، الذي وعد بتحويل ورقة العمل الصادرة عنها إلى قرارات تنفيذية.

 

 

 

 

4- المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع:

العمل على  تفعيل دور المجلس الوطني للإعلام  بصلاحيات تقريرية تطال تنظيم الاعلام التلفزيوني والاذاعي وتغيير آلية التعيينات بما يضمن شفافيتها واستقلالية الاعضاء وكفاءتهم.

5-  تعزيز الاعلام العام:

وضع خطة لتعزيز الاعلام العام (تلفزيون لبنان، اذاعة لبنان والوكالة الوطنية للاعلام)، بالنظر الى انه يشكل حاجة وطنية كبرى.

6-  دعم المؤسسات الاعلامية:

تعاني المؤسسات الاعلامية في لبنان بغالبيتها العظمى من ازمة مالية خانقة تهدد وجودها واستقلاليتها كما تهدد العاملين فيها.

7- نقابة الاعلاميين:

إنشاء جسم نقابي جديد وفاعل ينتمي إليه جميع الصحافيين في وسائل الاعلام المختلفة  يرمي للدفاع عن حقوق الصحافيين لا سيّما الاجتماعية منها والاقتصادية والمهنيّة.

وتضمنت ورقة العمل تطوّر الصحافيين والأكاديميين إلى مستويات سبعة بهدف تنظيم وتطوير قطاع الإعلام في لبنان، هي:

1- المسؤولية الاجتماعية:

ادراك المسؤولية الاجتماعية للإعلام التي يتحمّلها بما يلزمه – خصوصاً الإعلام الإلكتروني - التأكّد من المصادر وعدم نشر الأخبار المغلوطة التي من شأنها رفع منسوب التوتّر والخلافات، مع التشديد على أهمية تطبيق ميثاق الشرف الإعلامي لتعزيز السلم الاهلي الذي وقّعته المؤسسات الإعلامية، والابتعاد عن خطاب الكراهية والعمل على تعزيز السلم الأهلي والجمع بين الأطراف كافة بدلاً من التفرقة والعودة إلى مصطلحات الحرب عند كلّ أزمة.

2- السياسات التحريرية:

وضع سياسات تحريريّة من قبل وسائل الاعلام تحترم أخلاقيّات المهنة والعمل على وضع قواعد يتّفق عليها أهل المهنة وتكون كلّ مؤسسة إعلامية معنيّة بالإعلان عن سياسة تحريريّة خاصة بها حيث تعمل على تدريب صحافييها على تطبيق هذه السياسة.

3- مجلس الصحافة المستقل:

دعم مبادرة إنشاء هيئة من المعنيين بقطاع الاعلام تضم صحافيين وخبراء وأكاديميين وحقوقيين وناشطين في المجتمع المدني تتولّى رصد وتقييم أداء المؤسسات الإعلامية بما فيها الصحافة المطبوعة والإلكترونية.