|
التنظيم الذاتي للصحافة العربية

التنظيم الذاتي للصحافة العربية... النظام البيئي مفقود

تتطور صناعة الإعلام في العالم العربي على صعد التقنية واتساع مساحات التغطية وتزايد معدلات التأثير بشكل مطرد، لكنها مع ذلك تبقى عاجزة عن تطوير الإطار التنظيمي والأخلاقي الذي يحكمها بالوتيرة ذاتها، وهو الأمر الذي ينعكس بشكل فوضوي على العمل الصحافي، ويؤدي الى تدخلات حكومية متزايدة.

تتطور صناعة الإعلام في العالم العربي على صعد التقنية واتساع مساحات التغطية وتزايد معدلات التأثير بشكل مطرد، لكنها مع ذلك تبقى عاجزة عن تطوير الإطار التنظيمي والأخلاقي الذي يحكمها بالوتيرة ذاتها، وهو الأمر الذي ينعكس بشكل فوضوي على العمل الصحافي، ويؤدي الى تدخلات حكومية متزايدة.

تغيب عن الإعلام العربي آلية "التنظيم الذاتي" لقطاع الصحافة والإعلام، بالرغم من محاولة العديد من البلدان العربية العمل على منظومة متكاملة للتنظيم الذاتي للصحافة والاعلام، لاسيما مع  اندلاع ثورات الربيع العربي وبروز دور الاعلام بشكل متزايد ومؤثر على الجمهور العربي.

وحاولت العديد من السلطات في الدول العربية التعويض عن آلية "التنظيم الذاتي" بإنشاء هيئات للإعلام السمعي والبصري" للسيطرة على المشهد الاعلامي في العالم العربي. حيث انشأت السعودية "الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع" عام 2012، وأعلنت تونس "الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري" عام 2012، وأطلقت البحرين "الهيئة العليا للإعلام والاتصال" عام 2013، وأنشأت الكويت "هيئة تنظيم الاتصالات وتقنية المعلومات" عام 2015، ثم الجزائر أنشأت "هيئة ضبط السمعي البصري" عام 2016.

وببساطة شديدة، فإن المنظومة الصحافية والإعلامية في كل بلد عربي عليها أن تنشئ "التنظيم الذاتي" الخاص بها، عبر مشاورات عميقة، تتبلور في صورة مجلس للصحافة أو الإعلام، يتبنّى أدلة إرشادية، ومواثيق شرف يجري الاتفاق عليها، ويتلقى الشكاوى في حق أنماط الأداء الحادة، ويحقق فيها، ويتخذ إجراءات في شأنها، وينزل عقوبات بالمخطئين، مما يحسّن الممارسة، ويحدّ من الانفلاتات، ويُبقي القطاع بعيداً عن تدخلات الحكومة والقضاء، وهي تدخلات لا تحافظ على حرية الإعلام في كثير من الأحيان.

لكن "التنظيم الذاتي" للصحافة يختلف عن تنظيم الإعلام المرئي والمسموع، حيث ان الاخيرة اتى تشكيلها عبر قوانين وقرارات من السلطات. في حين ان التنظيم الذاتي للصحافة يجب ان يأتي بقرار من اهل المهنة من دون اي ضغط حكومي. وغالباً ما تتناول مجالس تنظيم الصحافة الجانب الأخلاقي والمهني للصحافة وليس الجانب القانوني، فنجد أن أغلب المهام الموكلة الى تلك المجالس هي الفصل في النزاعات والشكاوى المتعلقة بممارسة المهنة واتباع أخلاقياتها وليس الفصل في الشبهات الجنائية التي تقع بالضرورة خارج ولاية تلك المجالس، كما أن هذه المجالس تقوم بتحديد مواثيق الشرف ومعايير ممارسة المهنة للعاملين بالصحافة وتضطلع بمهمة فرض العقوبات والجزاءات، وغالباً ما تكون تلك العقوبات مالية.

تونس استثناء

بعد بداية حقبة الربيع العربي في عام 2011، لم تنجح سوى تونس في الوصول الى آلية تنظيم ذاتي ونظام بيئي للاعلام يتوافق مع المعايير الدولية للتنظيم الذاتي للصحافة، من حيث انطلاق التنظيم الذاتي ضمن آلية نقاش بين الصحافيين والمؤسسات الاعلامية والمجتمع المدني ممثلاً للجمهور، وان واجهتها تحديات مالية عطلت عمل مجلس الصحافة المشكل في 2018.

في المقابل، فرضت السلطات المغربية التنظيم الذاتي للصحافة عبر قانون "المجلس الوطني للصحافة" الصادر عام 2018.  ويتولى المجلس مهام عدة في مقدمها التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة والنشر، ووضع نظامه الداخلي وميثاق أخلاقيات المهنة والأنظمة الضرورية التي تضمن ممارسة مهنة الصحافة واحترام قواعدها وأخلاقياتها، ومنح بطاقة الصحافة، وممارسة دور الوساطة في الخلافات.

في حين، أصدرت السلطات المصرية قانون تشكيل "المجلس الأعلى للإعلام" في 17 ابريل/نيسان 2017. ومثلت ممارسات هذا المجلس خطرًا يهدد مهنية واستقلالية وسائل الإعلام، على عدد من المستويات. حيث، ان هذا المجلس قد خلقته السلطة التنفيذية لتستطيع من خلاله السيطرة على وسائل الإعلام، وبالتالي وفرت للمجلس غطاءً شرعياً يعمل من خلاله في سبيل تحقيق هدف وحيد وهو السيطرة على وسائل الإعلام لصالح السلطة السياسية. وقد جاء تشكيل المجلس ليعكس تمثيلاً طفيفاً لنقابتي الصحافيين والإعلاميين (2 فقط من الأعضاء) ويركز الاختيار في يد رئيس السلطة التنفيذية.

من ناحية أخرى، توسعت سلطات المجلس الأعلى للإعلام تدريجيا الى صلاحيات شبه مطلقة في قانون 180 لسنة 2018. وخلال عامين منذ إنشائه أصدر الأعلى للإعلام 86 قرارا بعقوبات مختلفة على وسائل الإعلام والعاملين بها، وهو مؤشر يمثل تضييقاً على حرية التعبير والاعلام بحسب المرصد المصري للصحافة والإعلام.

كما يمارس المجلس دور تتبع احترام حرية الصحافة، والنظر في القضايا التأديبية، وإبداء الرأي في شأن مشاريع القوانين والمراسيم المتعلقة بالمهنة، واقتراح إجراءات لتطوير قطاع الصحافة والنشر وتحديثه، والمساهمة في تدريب الصحافيين وموظفي القطاع. 

ويتألف المجلس الوطني للصحافة من 21 عضواً، 7 أعضاء منهم ينتخبهم الصحافيون المهنيون من بينهم، و7 أعضاء ينتخبهم ناشرو الصحف من مجموعة الناشرين، إضافة الى 7 آخرين يمثلون المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، واتحاد كتاب المغرب، وناشر سابق تعينه هيئة الناشرين الأكثر تمثيلية، وصحافي شرفي تعينه نقابة الصحافيين الأكثر تمثيلية.

 

 

 

 

معايير البيئة الاعلامية الناجحة

واعتبرت حرب ان اهمية وجود مدونة سلوك ومعايير موحدة نابع من ان التنظيم الذاتي هو عقد بين الصحافيين والمؤسسات الاعلامية من جهة، وبين الجمهور من اخرى، حول هذه القواعد والأسس المهنية التي يلتزم بها الصحافي خلال عمله.

ومثال على ذلك، شهدت بريطانيا انتاج مدونة سلوك للبث الاعلامي بعد عامين من النقاشات والاستشارات بين الصحافيين والمؤسسات الاعلامية، وتم بعد ذلك وضع هذه المسودّة امام الرأي العام لاستقبال الملاحظات عليها من اجل تعديلها والعمل بها.

وبالرغم من تكرار المبادرات التي افضت الى انتاج عدد كبير من المواثيق الاخلاقية ومدونات السلوك في الاعلام العربي، الا ان هناك ايجابية في هذا التكرار بحسب حرب، وهي اعادة تذكير الصحافي والمؤسسات الاعلامية بالمعايير المهنية للصحافة، والتي يجب ان يلتزم بها الصحافيين.

تكوين مجلس مستقل في التنظيم الذاتي ينظر في الشكاوى،هو ايضا احد عناصر نجاح التنظيم الذاتي للصحافة. اذ تعتبر آلية الشكوى في بريطانيا مثلا غير فعّالة بسبب وجود ممثلين عن المؤسسات الاعلامية في مجلس الشكاوى، وبالتالي تصبح المؤسسة الاعلامية هي الخصم والحكم، بحسب حرب.

يحتاج قطاع الاعلام في المنطقة العربية الى عناصر ومعايير النظام البيئي الاعلامي الناجح من اجل نجاح تجربة التنظيم الذاتي للصحافة والاعلام. بعد مرحلة الربيع العربي في العام 2011، حاول العديد من الصحافيين والنقابات الصحافية الوصول الى تنظيم ذاتي ناجح للقطاع، لكنهم واجهوا تحديات عديدة عطلت تلك المحاولات، بل وأدت الى تراجع مستوى الاعلام.

أبرز عناصر الوصول الى منظومة اعلامية ناجحة تتمثل في ربط التنظيم الذاتي بالإستقلالية، بحسب المتخصصة في الصحافة الدولية الدكتورة زاهرة حرب. اذ أكدت حرب لـ"مجلة مهارات" انه لا يمكن الفصل بين المؤسسات الاعلامية في الدول العربية وبين النظام السياسي. حيث ان هناك نوعاً من التماهي بسبب امتلاك عدد من رجال الاعمال والسياسيين او الحكومات للمؤسسات الاعلامية العربية.

كذلك، تشمل عناصر الوصول الى منظومة اعلامية ناجحة وجود رؤية موحدة للمعايير الصحافية المهنية. وبالتالي هناك فشل في معظم الدول العربية للوصول الى شرعة اخلاقية ومهنية يتفق عليها جميع المهنيين، والتي من دونها لا يمكن الوصول الى تنظيم ذاتي لمهنة الصحافة.

ومن المعايير المهمة كذلك، وجود ممثلين للجمهور في مجالس الشكاوى للتنظيم الذاتي، مع الحرص على وجود مدة محددة لكل عضو من المهنيين المنتدبين في هذه المجالس من النقابات والمؤسسات الاعلامية، حتى لا يصبح جزءاً من المنظومة. كما يجب ان لا تخضع التعيينات للإستنسابية بل وفق مواصفات معينة.

وتُعدّ استقلالية النقابات المهنية للصحافة احد عناصر النجاح للوصول الى منظومة اعلامية ناجحة، لكن التجربة في البلدان العربية اظهرت غياب الاستقلالية في الكثير من النقابات الصحافية كما أشارت حرب. والمثال الواضح على ذلك نقابتا الصحافة في مصر ولبنان. حيث ان هناك مجموعة من القيود التي تحجم دور النقابات الصحافية في لبنان بشكل كبير، ومنها عدم فتح الجدول النقابي لإنضمام جميع الصحافيين، كما ان نقابة الصحافة اللبنانية محصورة بمالكي الصحف اللبنانية، وهذه التحديات دفعت مجموعة من الصحافيين المستقلين انشاء "تجمع نقابة الصحافة البديلة".

اما في مصر فالانتخابات الأخيرة لنقابة الصحافة شهدت تدخلاً حكومياً أفضى الى انتخاب ضياء رشوان كنقيب للصحافة، مع الاحتفاظ بمنصبه رئيساً لـ"الهيئة العامة للاستعلامات" التابعة لرئاسة الجمهورية!

كذلك، فشلت هذه النقابات في القيام بدورها في حماية حرية التعبير لدى الصحافيين، وفي العمل على نشر الوعي وتدريب الصحافيين.