|
التنظيم الذاتي للصحافة في تونس

التنظيم الذاتي للصحافة في تونس... النجاح يتوقف على التمويل

دائماً ما تُقدّم تونس على أنها استثناء عربي بما أنها الدولة الوحيدة التي نجحت في مسار انتقالها السياسي نحو الديمقراطية أو التي لم يفضِ فيها، على الأقل، إلى حرب أهلية أو إلى انهيار الدولة أو إلى العودة إلى نظام سلطوي كما حصل في بعض الدول العربية الأخرى.

دائماً ما تُقدّم تونس على أنها استثناء عربي بما أنها الدولة الوحيدة التي نجحت في مسار انتقالها السياسي نحو الديمقراطية أو التي لم يفضِ فيها، على الأقل، إلى حرب أهلية أو إلى انهيار الدولة أو إلى العودة إلى نظام سلطوي كما حصل في بعض الدول العربية الأخرى.

فبعد الثورة التونسية في العام 2011، عملت النخب السياسية الجديدة على تعليق المؤسسات السياسية القديمة المرتبطة بالنظام القديم، ومن بينها حذف وزارة الإعلام، كإشارة رمزية قوية إلى عمليّة "تحرير" مجال الصحافة والاعلام. 

وكبديل عنها، تأسست الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال، كهيئة استشارية، كما انشأت بعدها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (Haica) التي تعمل على تنظيم الرخص للبثّ الإذاعيّ والتلفزيوني، وتضع المعايير التي تنظم هذه المؤسسات عبر كراسات الشروط.

وعلى هذا النحو، فَقَدَت السلطات المنظومة المركزية الرقابية والعقابية التي كانت تستخدمها لبسط نفوذها على الصحافة والصحافيين، والسيطرة من خلالها على وسائل الاعلام. وبالتالي، تعمل الصحافة التونسية وتتشكل من جديد في سياق غير سلطوي، لا يمكن لمؤسسة ما أو سلطة واحدة أن تبسط نفوذها على القطاع كله أو على المهنة.

وَجَدَ الصحافيون التونسيون أنفسهم بعد أسابيع من سقوط النظام أمام سؤال أساسي: كيف سيعملون؟ ومن أين سيستمدون قواعد عملهم، خصوصاً أن غرف الأخبار كانت دائماً تخضع الى قواعد تُملئ من خارجها.

والحال ان مهنة الصحافة في تونس سعت إلى الاستقلالية عبر مسارات متعددة، فكان الشعار الذي رفعه العديد من المهنيين في الأشهر الأولى من الثورة هو شعار "السلطة الرابعة" الذي كان يعبّر عن إرادة الصحافيين في أن يتمايزوا عن السلطة السياسية وأن يتحرروا من نفوذها.

وجاءت الردود الأولى من الاعلام العمومي التونسي المتمثّل في مؤسسات التلفزيون التونسي والإذاعة التونسية وفي مؤسسة "لابراس"، حيث سعى الصحافيون إلى تشكيل ما يُسمى "مجالس التحرير" في شكل هيئات جماعية وتشاورية تصنع سياسة قسم الأخبار، كما سعى الصحافيون إلى إرساء مبدأ انتخاب الهيئات التحريرية، لكن هذه التجارب لم تعرف كلها النجاح الموعود.

تجربة التنظيم الذاتي

ولعبت دوراً ايجابياً في النقاش، لتكتمل الثلاثية القادرة على تشكيل مجلس الصحافة (صحافيين- مؤسسات اعلامية- المجتمع المدني ممثلا للجمهور) وبدء عملية التنظيم الذاتي لقطاع الاعلام التونسي.

شهدت الفترة بين 2014- 2016 نقاشاً متقدماً لتشكيل المجلس، حيث تم وضع النظام الداخلي لجمعية "دعم مجلس الصحافة"، وهي الهيئة المسؤولة عن تشكيل المجلس اسوة بالتجربة البلجيكية في تأسيس مجلس للصحافة. كما تم وضع مدونة سلوك مهني خضعت لمشاورات بين الصحافيين والمؤسسات الاعلامية والنقابات المهنية في جميع انحاء تونس.

وفي أبريل/نيسان عام 2017، أنشأت جمعية "دعم مجلس الصحافة" هيئة تأسيسية مؤقتة لمجلس الصحافة لإنهاء العمل على إعداد الميثاق المرجعي لأخلاقيات المهنة الصحافية.

وفي ديسمبر/كانون الاول 2018،  أنهت الهيئة التأسيسية أعمالها، لكن تعطل الاعلان عن المجلس التونسي للصحافة بسبب غياب التمويل، بعد ان وعدت السلطات التونسية بتمويل المجلس في حال تشكيله بنصف الموزانة السنوية، لكن ذلكلم يتم. 

 

لم يتفق الصحافيون التونسيون بعد الثورة في عام 2011 على شكل التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة. تصاعدت الخلافات حول صلاحيات مجلس الصحافة في حال انشاءه، وهل ستكون صلاحياته متداخلة مع الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعيّ البصريّ، و"الجامعة التونسيةلمديري الصحف"ممثلين عن اصحاب المؤسسات الصحافية. فضلا عن صعوبة الاتفاق بين المؤسسات الاعلامية والصحافيين، ومن سيمثل المجتمع المدني في مجلس الصحافة.

استمرت هذه الخلافات بين 2011- 2014، خصوصاً بعد انتقاد النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين لعدة مؤسسات اعلامية ضمن الجامعة التونسية لمديري الصحف، التي انسحبت من النقاش في 2013 وعادت في العام 2014، بعد انتخاب مجلس جديد لنقابة الصحافيين.

بعد تشكّل مجلس نقابة الصحافة الجديد، عادت عجلة النقاش مع جامعة "مديرو الصحف" لتشكيل مجلس صحافة، وقد انضم الى هذا النقاش "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان"كممثلة للمجتمع المدني

 

وأوضحت الصحافية التونسية حنان زبيس في حديث لـ "مجلة مهارات" ان مجلس الصحافة يمكن ان يتم الاعلان عنه وانطلاق عمله في سبتمبر/ايلول المقبل من العام 2020 الحالي. واضافت زبيس: "ان تشكيل مجلس الصحافة سيكون مكسباً كبيراً للمهنة، لأنه سيمكن الصحافيين من تجاوز العديد من الخروقات التي تحصل في المهنة اليوم، لا سيما مكافحة الاخبار الكاذبة".

 

 

 

 

في السياق أكدت مديرة مكتب الشرق الاوسط وشمال افريقيا في منظمة "المادة 19" سلوى غزواني انه عند تقييم تجربة التنظيم الذاتي في تونس تجد انها تجاوزت الكثير من الخلافات. واضافت غزواني: "اليوم لا نجد الا بعض الاصوات المعارضة لإنشاء مجلس الصحافة، لا سيما ان الارضية الحالية سامحة بذلك مع توفر هامش كبير من حرية الرأي والتعبير، وانطلاقة المجلس ان تكون من الصفر مع تراكم كبير من الخبرات ونضج الفكرة والتجربة".

لكن هناك تحديات عدة الى جانب التمويل تواجه عمل مجلس الصحافة، بحسب غزواني. أولىتلك التحديات تتمثل في وجود مؤسسات اعلامية رقمية مستقلة جديدة غير مستعدة للإنضمام الى مجلس الصحافة، بالرغم من ان قرارات وسلطة المجلس ستشمل هذه المؤسسات.

كذلك، يعتبر المجلس آلية لتوجيه الشكاوى ضد الاعلام، وبالتالي يجب ان يكون هناك وعي وقناعة لدى الجمهور للتوجه الى المجلس في حال التضرر من الاعلام، وليس الى المحاكم والقضاء.

تركيبة مجلس الصحافة

يعين أعضاء المجلس من عدة منظمات: "النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين" (عضوان)، و"الجامعة التونسية لمديري الصحف" (عضو)، و"الرابطة التونسية لحقوق الإنسان"(عضوان) باعتبارها منظمة تمثل الجمهور، و"النقابة العامة للإعلام"، و"النقابة الوطنية لمؤسسات التلفزات الخاصة"، و"الغرفة الوطنية النقابية للإذاعات الخاصة". ويعمل أعضاء المجلس بشكل تطوعيّ ولا يتقاضون أجوراً. ويقوم المجلس بإحداث لجان دائمة هي لجنة التكوين والتعاون، ولجنة الأخلاقيات، ولجنة إدارة الشكاوى.

وظائف مجلس الصحافة

يقوم مجلس الصحافة في تونس بعدة وظائف، أهمها على وجه الخصوص مراقبة التقيد بالقواعد الأخلاقية للممارسة الصحافية، ومساعدة المؤسسات الإعلامية والصحافيين على ممارسة صحافة مهنية وذات جودة، وحماية استقلالية الصحافة من أي تدخل أو ضغط محتمل مهما كان مصدره، وإبداء الرأي في مشاريع القوانين والأنظمة المتعلقة بالمهنة أو ممارستها وفي كل المسائل الأخرى المتعلقة بمجال نشاطه.

كما يعد المجلس تقريراً سنوياً عن المؤشرات المتعلقة باحترام حرية التعبير وانتهاكات مدونة أخلاقيات المهنة الصحافية. ويشمل عمل المجلس، على عكس الفكرة المتداولة، جميع وسائل الإعلام التي تنشر أو تبث في تونس والتي تنتمي إلى الصحافة المكتوبة والمطبوعة والإلكترونية أو السمعية البصرية.

معالجة الشكاوى

وينص النظام الداخلي للمجلس على أنه في حالة ثبوت مساس بمدونة أخلاقيات المهنة الصحافية، يلجأ المجلس إلى محاولات الصلح، وفي حالة فشل المساعي الوديّة لفضّ الإشكال، يمكن أن يتخذ المجلس تدابير بموجب قرار معلل وهي إما الملاحظة أو اللوم.

وعلى هذا النحو، لن يعتمد المجلس مبادئ العقوبات المالية أو أي نوع آخر من العقوبات الأخرى لأن المجلس جمعية لا يخوّل لها القانون ذلك، كما أنه ليس هيئة عمومية حتى ينتصب كسلطة ترتيبية (على غرار الهيئات الدستورية مثل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات) إضافة إلى أن هذا النوع من العقوبات لا يتماشى وفلسفة التوفيق والوساطة التي يقوم بها المجلس.

وبالرغم من وجود آلية واضحة لمعالجة الشكاوى، ستظل هنالك معضلة تأمين التوازن بين اللجوء الى المحاكم الجزائية والقضاء وبين التنظيم الذاتي للصحافة. وأوضحت غزواني ان الحل يكمن في فتح قنوات اتصال رسمي او غير رسمي بين مجلس القضاء الاعلى وبين مجلس الصحافة لتحديد القضايا التي يمكن ان يكون مجلس الصحافة صاحب الاختصاص فيها، وهذا سيساهم في حماية أكبر لحرية الصحافة والاعلام في تونس.

يقوم المجلس بوظيفة أساسية تتمثل في معالجة الشكاوى التي يتقدم بها الجمهور، وتُعالج هذه الشكاوى على قاعدة المدوّنة الأخلاقية. وفي هذا الإطار، تم إعداد مشروع مدونة أخلاقية استلهمت من المرجعيات الدولية، وتتضمن مبادئ خاصة بحقوق الصحافة وواجباتهم، إضافة إلى المبادئ الكبرى للممارسة الجيدة للصحافة، وفي طليعتها السعي إلى الحقيقة والدقة.

كما تضمنت المدونة عدة مبادئ خاصة بمعالجة الشكاوى تنصّ على أنه "يجوز لأي شخص طبيعي أو معنويّ كضحية أو شاهد على انتهاك حرية الصحافة أو انتهاك لمدونة أخلاقيات المهنة الصحافية من قبل صحافي أو مؤسسة إعلامية أن يتقدم بشكوى إلى مجلس الصحافة دون تحمل المصاريف". وفي نهاية الإجراءات المتعلقة بمعالجة الشكوى، "يرفع رئيس لجنة إدارة الشكاوى إلى المجلس مشروع مقترح قرار بناء على تقرير معلل يقترح فيه إما حفظ الشكوى إذا رأى أنه لا يوجد مجال لمزيد التتبعات أو اتخاذ إجراء تأديبي في حال ثبوت خرق لقاعدة أخلاقية".

تمويل واستقلالية

وأكدت غزواني ان مبلغ تمويل المجلس سنوياً هو رقم لا يتجاوز 100 الف دولار أميركي، ليذهب هذا المبلغ كأجور للموظفين وتكاليف مقر للمجلس. لكن الحكومة لا تتحمس لتمويل المجلس، بالرغم من انها وعدت بتمويل نصف موازنته. ويرجع ذلك الى ان عمل المجلس سيخالف رغبة السلطة في السيطرة على الاعلام ويتحدى عقلية الوصاية التي كانت سائدة في الحقبة الماضية.

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من مجالس الصحافة في أوروبا تتلقى معظم تمويلاتها بشكل عام من الدولة (على غرار مجالس الصحافة في أستراليا وروسيا وقبرص) في حين تساهم الدولة بنصف التمويل في مجالس أخرى (على غرار ألمانيا وبلجيكا وفنلندا)، وتمول هذه الدول في حدود 50 في المائة مجلس الصحافة اعتماداً على مبدأ أن المجلس يساهم في التقليص من اللجوء إلى القضاء.

يتكون مجلس الصحافة على عكس الهيئات الدستورية بما في ذلك "الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري"، من أعضاء متطوعين لا يتقاضون أجوراً. ويحتاج المجلس، في المقابل، إلى تمويل أنشطته المتّصلة بدراسة شكاوى المواطنين أو إصدار تقارير الرصد، إضافة إلى مصاريف الإدارة والمقر.

وكانت مسألة التمويل من الإشكاليات الكبرى التي طُرحت أثناء مسار إنشاء مجلس الصحافة، إذ طُرحت فرضية التمويل العمومي للمجلس ما أثار بعض الاعتراضات على أساس أن هذا التمويل يمكن أن يهدد استقلالية المجلس باعتباره هيئة مستقلة (في شكل جمعية).

لكن الرأي استقر في النهاية على أن يكون التمويل العمومي من المصادر الأساسية لتمويل المجلس وذلك لعدة أسباب أساسية أهمها أن المنظمات المهنية مصادرها محدودة مما قد يدفع المجلس للاعتماد أساساً على الهبات الخارجية (منظمات دولية)، وهو ما قد يقلّص بشكل كبير من مصداقية المجلس لدى الصحافيين ويعرّضه إلى الشكوك.